ابن عربي
350
مجموعه رسائل ابن عربي
فاجتنبه وارجع عنه وقف عند ذلك واسكت عما خرج عن علمك وسلم كما سلّم لك والذين يبتليهم اللّه عزّ وجلّ على قسمين منهم من يبتلي اعتناء وتتميما وبرا وإرتقاء وزيادة علم ومنهم من يبتلي ليرد إلى أسفل سافلين وصورة الابتلاء في هذا المقام أن تتعرض له جارية تأمره بأن يواقعها أو تأمره بشرب كأس من خمر أو بقتل إنسان أو بأمر ما حرم عليه شرعا فإن فعل شيئا من هذا فقد عصي وغوي وتردى في أسفل سافلين وإن أبى عن فعل ذلك فقد ناقض عهده مع اللّه تعالى الذي عقد معد لا يركب محرما ولا يأتيه فيسلم له المقام ولا يتبعض له حتى يسمع من الحق في شيء ولا يسمع في شيء آخر وهذا لا تطلبه المنزلة بل يسمع منه في كل شيء فإن للقائل هنا أن يقول إنما يخرج هذا الطالب ويصدق نيته على امتثال ما يخاطبه به الحق ما لم يؤمر في ذلك الخطاب بارتكاب محرم فيقال له ليس كما تقول إنما يعقد نيته على السماع من اللّه مطلقا من غير تقييد فإن قال كيف يصح هذا فنقول أن المريد إذا أراد أن يبقى على عهده في هذا المقام ولا يرتكب محرما إن ابتلاه اللّه به فيقول للقائل له أشرب هذا الخمر أو أزن بهذه الجارية وإن لم تفعل فقد نكثت عهدك مع اللّه فيقول هيهات بل أنا متحقق في سماعي من الحق من خارج لا من نفسي ذلك أن الحق سبحانه وتعالى قد خاطبني وكلمني على لسان نبيه محمد ( ص ) أن لا أفعل ما ذكرت وقلت عند سماعي لهذا الخطاب النبوي سمعت وأطعت وعاهدت اللّه على هذا فأنا ما زلت في سماعي من الحق متحققا في مقامي فإنه القائل وما ينطق عن الهوى ولكني لما تحققت بهذا المقام في هذا السماع أو أدّعيته أراد الحق أن يبتليني ليقف من ذلك على نفسي بما فيها فوجدني والحمد للّه قائما بذلك العهد الذي كنت قد عاهدته عليه عندما سمعته منه وهذا الخطاب الذي جاء بشرب هذا الخمر وفعل ما حرمت على فعله إنما سمعته من الحق ولكن سماع ابتلاه منه إلى حل أقف عند حده أم لا الذي أسمعنيه على لسان المعصوم قال اللّه تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ وقال تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فلا أبرح عن هذا المقام ولا أخرج عن عهدي فيهما معا أعني في الخطابين المتناقضين وجمعت بينهما والحمد للّه ونظرت خطاب العصمة من أم الكتاب الذي عنده ونظرت الخطاب الإبتلائي من لوم المحو والإثبات وكيف وقد قال تعالى : ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ولما قال لي هذا علمت أن كل خطاب يخالف ما قاله لي على لسان المعصوم إنما هو خطاب